السيد محمد باقر الصدر
60
محاضرات تأسيسية ( تراث الشهيد الصدر ج 21 )
2 - وقسم آخر يعتبر أنّ التجربة هي أصل المعرفة ، وأنّ الإنسان لا يعرف شيئاً بمعزلٍ عنها « 1 » . ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ مراد العقليّين من ( السبق ) في اعتبارهم أنّ هناك مبادئ عقليّة سابقة على التجربة هو السبق الرتبي لا السبق الزمني ، فلا ينقض عليهم بما وجّهه إليهم الفلاسفة الأوروبيّون من أنّ الطفل عندما يولد لا يعرف استحالة اجتماع النقيضين أو استحالة اجتماع الضدّين ؛ فإنّ هذا الإشكال مبنيٌّ على أنّ مرادهم هو السبق الزمني ، والحال أنّ مرادهم ليس هذا . نعم ، هنا ينفتح باب السؤال حول سبب ظهور هذه المعارف لدى الإنسان في مرحلة زمنيّة متأخّرة . وقد ذكر أرسطو وأتباعه من المسلمين وغيرهم وجوهاً وشروحات للجواب عن هذا السؤال ، أصحّها ما أشرنا إليه في كتاب ( فلسفتنا ) « 2 » : من أنّ المعرفة التصديقيّة تتوقّف على تصوّر أطرافها ، والتصوّر ينبع من الحسّ ؛ لأنّه هو المصدر الأساسي له ، وحيث لا يمارس الحسّ وظيفته فلا يحصل التصوّر الكامل للأطراف « 3 » ، وحيث لا يحصل ذلك فلا تحصل المعرفة لدى الإنسان ، حتّى الضروريّة منها ؛ لأنّ معنى كونها ضروريّة هو أنّ النفس تصدّق بالحكم بمجرّد تصوّرها للأطراف ، وتصوّر الأطراف يتوقّف على وجود استعداد خاصّ في النفس ، وهذا الاستعداد الخاصّ إنّما يحصل عن طريق الحسّ . وهذا هو
--> ( 1 ) المصدر السابق : 89 ، المذهب التجريبي ( 2 ) المصدر السابق : 143 ( 3 ) ومن هنا عرفت مقولة أرسطو من أنّ مَن فقد حسّاً فقد علماً ، فراجع : شرح البرهان لأرسطو وتلخيص البرهان : 414